تعلم اللغات الأجنبية عبر الإنترنيت ‘اليوتيوب’

تعلم اللغات الأجنبية عبر الإنترنيت

       يعايش الشباب العربي اليوم واقعا مغايرا ومتمايزا عن جيل المربين لهم من الأولياء وكبار السن، ويتجسد هذا التمايز في الاختلاف في أولويات الحياة من ناحية، والتواجد الدائم في العالم الافتراضي وبالأخص اليوتيوب وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي من ناحية أخرى. فبعد أن كانت أولويات الشباب في سنوات سابقة حسب الدراسات الاجتماعية المتخصصة تتمحور حول: العمل، الزواج وتأسيس أسرة، أصبحت في الواقع المعاصر تتمركز حول العمل، السفر، تحقيق المتعة، إتباع الموضة والتواجد الدائم والمستمر في العالم الافتراضي.

       هذا الدور المهم والتواجد الدائم للانترنيت في عالم الشباب أثر بدرجة ملحوظة على مختلف جوانب حياتهم، والملاحظ من خلال المحتويات التي يتفاعلون معها، ومن خلال منشوراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة، أن هناك تمايزا في تعاطي هذه الفئة مع الانترنيت، فمنهم من يستعمل الانترنيت لخدمة وأغراض إيجابية تساهم في التطوير الذاتي لهم ورفع مستواهم العلمي والمعرفي وحتى العلائقي، ومنهم من يقضي أوقات فراغه وحتى أوقات واجباته في مواقع التواصل الاجتماعي بحثا عن المحتويات الترفيهية فقط.

       وفي هذا الإطار، وبناء على مضامين هذه المواقع والتفاعل معها نستطيع القول أن للفرد إمكانية استغلال التقدم التكنولوجي الذي حققته وسائل الإعلام والاتصال باعتبارها مهيمنة أساسا على الواقع اليومي في تطوير ذاته في جميع الحقول والمجالات، واكتساب العديد من رؤوس الأموال التي تمكنه من التفاعل الإيجابي في بيئته الاجتماعية، وفي مقدمتها: رأس المال الثقافي ورأس المال اللغوي، واللذان ينتجان لديه نوعا من الرأسمال الرمزي المحقق للتمايز عن باقي أفراد جماعته.

       كما أن الحصول على رأسمال لغوي بناء على مضامين تفاعلاتهم وتعليقاتهم على المحتويات في العالم الافتراضي، وبطريقة مجانية من شأنه أن يوفر لهم إمكانية الحصول على منصب عمل في سوق الشغل، كون المؤسسات الاقتصادية والخدماتية في العصر الحالي تعتمد بشكل كبير وملحوظ على توظيف واستعمال اللغات الأجنبية، خصوصا وأن العديد من المؤسسات الاقتصادية مبنية على أساس الشراكة والتبادل الاقتصادي مع أطراف أجنبية. وبالتالي ينتج عن ذلك، توفير إمكانية الحصول على رأسمال اقتصادي يحقق للشباب التميز ضمن مجموعاتهم الاجتماعية التي ينتمون إليها. حيث أن الفرد الراغب في التميز في حقل مجتمعي معين، لابد أن يتميز عن الآخرين إما بالاختلاف عنهم، وإما بالانزياح عنهم ثقافيا واقتصاديا ولغويا ورمزيا واجتماعيا.[1]

       والوصول إلى التميز هنا حسب تصورات الشباب يكون عن طريق بداية مجانية باستعمال مواقع تعليم اللغات الأجنبية المجانية وقنوات اليوتيوب المتخصصة في ذلك، والتي لا يضطرون من خلالها إلى إنفاق مبالغ مالية معتبرة من أجل التعلم، خصوصا إن كانت أوضاعهم الاقتصادية لا تسمح لهم بدفع رسوم دراسة تصل إلى 400 أو 500 دولار للمستوى في المعاهد المتخصصة الدولية. حيث يرى هؤلاء الشباب المتواجدون في العالم الافتراضي، والمتتبعون لقنوات تعليم اللغات عبر اليوتيوب، أن اللغة الأجنبية في المجتمعات العربية بصفة عامة هي رأسمال يصعب الحصول عليه بالنسبة لغالبية الفاعلين الاجتماعيين، نظرا لعدم توافق حالتهم الاقتصادية مع ذلك. في حين أنهم على دراية ووعي تامين بأن الكفاءة اللغوية المعبرة عن امتلاك رأسمال لغوي في لغة أجنبية، وعن مهارات ومعارف لغوية تمكنهم من تحقيق التميز عن بقية الفاعلين الاجتماعيين الذين يملكون نفس مؤهلاتهم الدراسية، وبالتالي فتح فرص وآفاق واعدة أمامهم لولوج سوق العمل، وفق شروط تمنحهم نوعا من الرضا المهني والاقتصادي، كون من يمتلك الرأسمال اللغوي الأجنبي يستطيع أن يحظى بمكانة ثقافية واقتصادية.

       واعتمادا على ما سبق التطرق له، يصر هؤلاء الشباب على الاستفادة من التواجد الدائم في مواقع الانترنيت من أجل تطوير قدراتهم اللغوية في اللغات الأجنبية، خصوصا في ظل ظروف تسيرها العولمة، التي تمخضت وقفزات التقدم التقاني عن ولادة سوق عالمية للتعليم[2]، تمكن أي فاعل اجتماعي من ولوجها، مع تساو تام في الفرص في حالة قنوات اليوتيوب المجانية الخاصة بتعليم اللغات الأجنبية، دون أي اعتبارات للخلفية الاقتصادية التي ينتمي إليها المتعلم، أو الأصل الاجتماعي له. وهو ما ينتج نوعا من إمكانية التقاء جميع الأفراد في هدف واحد أيا كانت وضعياتهم الاجتماعية الواقعية، ومنه يمكن للناس شديدي البعد عن بعضهم في الفضاء الاجتماعي حتى من الناحية الاقتصادية أن يتقابلوا معا، وأن يدخلوا في تفاعلات، على الأقل على نحو وجيز متقطع[3] أثناء تواجدهم في فضاء قنوات اليوتيوب المتخصصة في تعليم اللغات الأجنبية.

       وبهذا تمكن هذه القنوات من تجاوز مسلمات أساسية في الواقع الاجتماعي بخصوص الانتماء الاقتصادي وإعادة إنتاج نفس الانتماء، والتي يتوزع حسبها الفاعلون الاجتماعيون في الفضاء الاجتماعي الكلي، في البعد الأول طبقا للحجم الكلي لرأس المال الذي يملكونه بمختلف أنواعه، وفي البعد الثاني، طبقا لبنية رأسمالهم، أي طبقا للوزن النسبي لمختلف أنواع رأس المال، الاقتصادي والثقافي، في الحجم الكلي لرأسمالهم.[4]

       كما أن الفاعلين الشباب الذين ينتمون لأصول غير متماثلة، ويحتلون مواقع اجتماعية غير متماثلة أثناء تواجدهم في الانترنيت والقنوات التعليمية للغات يصبحون في شروط متماثلة، ويتلقون محتويات ومضامين متماثلة، وبالتالي فهم يمتلكون فرصا لتكوين استعدادات ومصالح متشابهة رغم اختلافهم عن بعضهم من الناحية الواقعية، مما يؤثر في تمثلاتهم واستعداداتهم، ويمنحهم فرصة إنتاج ممارسات متشابهة ومتماثلة بعد أن كان هذا الاحتمال مستبعدا قبل تفاعلهم مع قنوات اليوتيوب التعليمية.

مقال قد يهمك ماهي لغة الماندرين ؟ ولمذا يلجأ أبناء العضماء لتعلمها ؟

قائمة بيبليوغرافية:

1- بورديو، بيار. بعبارة أخرى: محاولات باتجاه سوسيولوجيا انعكاسية، ت: أحمد حسان، ميريت للنشر والمعلومات، ط01، القاهرة، 2002.

2- غدنز، أنتوني. علم الاجتماع، ت: فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط01، لبنان، 2005.

3- BOURDIEU, Pierre, La distinction. Critique sociale du jugement, Minuit, Paris, 1979.


[1]  BOURDIEU, Pierre, La distinction. Critique sociale du jugement, Minuit, Paris, 1979.P 670.

[2] غدنز، أنتوني. علم الاجتماع، ت: فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط01، لبنان، 2005. ص554.

[3]بورديو، بيار. بعبارة أخرى: محاولات باتجاه سوسيولوجيا انعكاسية، ت: أحمد حسان، ميريت للنشر والمعلومات، ط01، القاهرة، 2002.ص211.

[4] نفس المرجع. ص212.

Post Author: admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *