الهوية الجنسية في مواقع التواصل الاجتماعي

       يشهد العالم اليوم عامة، والعالم العربي بصفة خاصة مجموعة من التغيرات الجذرية، نتيجة التطور التكنولوجي الهائل في مجال الإعلام والاتصال، تقودها مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أثرت بطريقة ملحوظة في كافة مجالات الحياة والواقع المعيش في كل المجتمعات البشرية باختلاف ثقافاتها، هوياتها وقيمها.

       حيث أصبحت الهوية مثلا تنبني وتستمد انطلاقا من الانترنيت وما صاغه من قيم معبرة بالأساس عن الاستقلالية الفردية، وخصوصا في الإطار التفاعلي ضمن مواقع التواصل الاجتماعي. وانتشر جراء ذلك حكم الضمير الفردي على الأقل في العالم الافتراضي، بدلا من حكم قيم الضمير الجمعي، هذا الأخير الذي يمنع مجموعة كبيرة من الأمور بناء على الثقافة الجمعية وسلسلة المعايير والقيم التي تؤطرها، والتي من أبرزها ماهية الهوية الجنسية للأفراد ذكورا كانوا أو إناثا، وكيفية التعامل معها، إضافة إلى أنماط السلوك المنتظرة منهم انطلاقا من هويتهم الجنسية هاته.

       وبذلك أصبح الضمير الفردي هو الأكثر تدبيرا لتواجد الأشخاص في فضاء الانترنيت بصفة عامة، وفي عوالم مواقع التواصل الاجتماعي بصفة أكثر تحديدا. وبناء عليه تحول كل إنسان إلى كونه هو المرشد الأخلاقي لذاته، وهو من يملي عليها اختياراتها وطريقة تفاعلاتها، في مقابل تراجع التوجيه الأخلاقي والقيمي الجماعي.

           ومن أبرز الأمور الملحوظة في هذا المستوى، التغير الحاصل في مسألة الهوية الجنسية، وبالأخص الحيثيات المتعلقة بالنوع في حد ذاته، إذ سمحت هذه الحرية والاستقلالية الفردية التي يوفرها الإنترنيت بالتعبير عن ميولات وهويات جنسية كان من المستحيل التعبير عنها قبلا في الواقع الاجتماعي المعيش، على اعتبارها ضربا من ضروب الأنوميا الاجتماعية التي ينبغي أن يتم علاجها، وعدم الاعتراف بها، وبالأخص لما يتعلق الأمر بالميولات الجنسية المغايرة لما هو متعارف عليه في المجتمعات العربية، والمعبر عما يعرف بالعادي، والذي تمثل أي محاولة لاختراقه نوعا من التحدي لقيم هذه المجتمعات.

       حيث أن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت آفاقا للاعتراف بالأفراد ذوي الميولات الجنسية التي تصنف على أنها متعارضة مع الوجود الفيزيقي والجندري حسب الضمير الجمعي، والذين كانوا يبحثون أساسا عن مثل هذا الاعتراف بهويتهم الجنسية التي يصرحون بها في الواقع الاجتماعي. كما وفر لهم الانترنيت إمكانية الالتقاء المجالي الواقعي مع أفراد يقاسمونهم نفس الرؤى، مكونين بذلك مجتمعا بديلا عن مجتمعاتهم الأصلية وجماعات يسعون لتوسيع نطاقها اعتمادا على مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة، يتقدمها في ذلك الفيسبوك، الانستغرام وقنوات اليوتيوب، والتي سيكون لنا مقالات مستقبلا تتطرق لها بتفصيلات أكثر وضوحا وتحليلا.  

Post Author: admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *