الزواج في المغرب

       يعتبر الزواج من أكثر العلاقات الاجتماعية الحميمية المنتشرة في المجتمعات البشرية، من حيث كونه يعبر عن هدف حقيقي وحاجة فطرية في تأسيس الأسرة كأصغر وحدة من وحدات المجتمع ككل.

       ويخضع الزواج في المغرب كغيره من المجتمعات العربية الأخرى، والبشرية بصفة أعم، لمجموعة من الطقوس والقواعد المؤطرة له، والتي تستوحي قيمتها من السياق الاجتماعي المغربي الكفيل بإنتاج معانيها ودلالاتها. وهو بناء على هذا الارتباط بالقيم الثقافية والاجتماعية المختلفة ليس بمنأى عن التغيرات التي طرأت على النسيج السوسيو-ثقافي الكلي، والذي تتداخل فيه وتدافع مجموعة من المعطيات التابعة لسياقين متمايزين، يعبر أحدهما عن القيم التقليدية، في حين يعبر الآخر عن نوع مغاير ينتمي لسياق الثقافة المعاصرة.

       إذ أن القيم الاختيارية للشريك في الزواج التقليدي داخل المجتمع المغربي كغيره من المجتمعات المتوسطية الأخرى كانت تنبني في لحظات تاريخية سابقة، لا تزال رواسبها مستمرة إلى اليوم بدرجات متفاوتة حسب الإطار الجغرافي والانتماءات القبلية، على ما يسمى: بالزواج الداخلي ضمن ما وسمته الباحثة الأنتروبولوجية الشهيرة جيرمين تيليون في مؤلفها “الحريم وأبناء العم” بإمبراطورية أبناء العم. ولكن التغيرات الحاصلة في هذا المجتمع، وخاصة ما يرتبط بأبعاد: التمدن، التعلم وعمل المرأة، أثرت بشكل ملحوظ على المسألة. فبعد أن كان الشريك والشريكة المفضلين بالضرورة من أفراد العائلة الممتدة، ولا يخرجان عن نطاقها، أصبح بالإمكان إيجاد شريك آخر خارج إمبراطورية أبناء العم، ويتجاوز ذلك إلى انتماء الشريك أساسا إلى فضاء مجالي بعيد كل البعد عن أي قرابة أو انتماء للمنطقة.

       كما أن وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، تتقدمها مواقع التعارف والتواصل الاجتماعي قد أدت إلى اختيار شريك أجنبي لدى كلا الجنسين ذكورا وإناثا، يختلف ثقافيا وهوياتيا كل الاختلاف عن المجتمع المغربي. وبذلك فقد ساهمت في إنتاج قيم وطقوس مختلطة عابرة للثقافات والانتماءات الجغرافية، مما يزيد هذا المجتمع تعددا وغنى، وخصوصا كونه معروفا أساسا بقيم التعايش، وتقبل الآخر والانفتاح عليه.

       وبهذا يمكن القول في الأخير، أن الزواج في المغرب قد حقق نقلة ملحوظة بصفة جلية، فبعد أن كان الشريكان أصلا لا يؤخذ رأيهما بعين الاعتبار في عقد القران، أصبح لهما حرية الاختيار سواء في الفضاء العام، مواقع التعارف والتواصل الاجتماعي، أو حتى مكاتب الوساطة الخاصة بالزواج المتواجدة على مستوى المدن الكبرى، إضافة إلى حرية القيام بالطقوس الاحتفالية بالطريقة المناسبة لهما.

Post Author: admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *